2011/10/22

الأسير جاسر إسماعيل البرغوثي من مدينة رام الله

الأسير جاسر إسماعيل البرغوثي من مدينة رام الله قضى بالأسر 9 سنوات وحكم عليه 9 مؤبدات 
 إعداد هدى نعيم
أصر جاسر أن يبدأ حديثه معي بأن يستذكر يوم محكمته ويوم صدور قرار 9 مؤبدات بحقه قال عندما قرر القاضي الحكم علي بهذه المدة الطويلة جدا تأملت بهي وهو ينطق الحكم ولم يؤثر بس شيء لأني عندما اخترت طريقي كنت أعرف انه في يوم من الأيام إما سأسقط شهيد أو سأكون أسير هذا حال كل مقاوم فلسطيني , نظرت للقاضي وهو يقول لي إذا كنت تحب أن تقول شيء معين قبل أن تذهب إلى السجن فلك بضع دقائق بإمكانك إخبار أهلك ما تريد أجبته لن أقول لأهلي شيء فهم يعرفون لا يحتاجون مني أي كلمة لأنهم هم من ربوني وهم أقوى مني في كل الظروف ولكن لدي 3 رسائل واحدة لك وواحدة للأهالي القتلى وواحدة للجنود الذين يكبلون فأما الأولى وهي لك أقول لك سيد القاضي لن أطلب منك أن تخفف حكمي أو أن تغفر لي فهذا قدري وأنا راضٍ بهي ولكن أريد منك أن تحترم شيبتك والعلم الذي حصلت عليك وأهلك لتكون قاضي بأن لا تسمح لنفسك بأن تكون أداة في يد غيرك وبيد حكومتك ...أما رسالتي الثانية لأهالي القتلى أريد أن أقول لكم أنتم تظنون أننا نحن من قتل أبنائكم لكن أنتم خاطئون فالذي قتل أبنائكم ولكن القيادة السياسية هي التي قتلتهم عندما بعثتهم لأراضينا ليقطعوا رزقنا وعندما أرسلتهم ليحتلوا أرضنا هم من أصدروا بحقهم حكم الإعدام لأنهم إتخذو قرار خاطئ بالمجئ إلى أرضنا ..
أما رسالتي الأخيرة لهؤلاء الجنود فقد كانت حكومتكم لأنها لا تملك وقت كافي لذكر أسمائكم استبدلتها بأرقام لأنها لم يبقى لديها وقت لتحترم تضحيتكم من اجلها وأنا أريد أن أخبركم في القريب العاجل لن يبقى لديها وقت أيضا حتى لذكر أرقام ستنتهون وستبقون انتم بلا اسم أو معنى فقط أجهزة متحركة يتحكم بكم غيركم فاستيقظوا قبل فوات الأوان ...


ويتابع بعد أن انتهيت من رسائلي لهم وقف القاضي منغاظ وقال لي أريد أن أسألك سؤال وتعامل معي كشخص عادي وليس قاضي الآن أنت تخيل نفسك في حلم واستفقت منه وكان التعذيب والحكم كله حلم هل تعود لما كنت تفعله أم تتوقف يقصد المقاومة فأجبته أريد أن أسألك أنا هذا السؤال إذا كنت أنت في حلم ورأيت ظلمك واستبدادك وحكمك الظالم هل ستعود له أم ستستمر, إجابتي هي نفس إجابتك عندما تقرر أن تتوقفوا عن هذا الظلم أعدكم بأن أتوقف عن الدفاع عن حقي ...

وبعد إنتهاء المحكمة كان هناك والدة أحد القتلى قد سمعت رسالتي وهي مطلقة وطليقها معها قالت لي أمام الجميع أنا اقتنعت بكلامك وأريد أن أزورك في السجن لنتحدث أكتر لأني اشعر بأنك تقول كلام صحيح وهناك شيء خطأ يجب أن يصلح فرد عليها طليقها أمام الإعلام لو أنني لم أطلقك لطلقتك الآن على هذه الكلمات ...

وعندما سألنه كيف تم اعتقالك قال مضت 3 سنوات و أنا أعمل بسرية كاملة وقمت بعمليات متعددة حتى أتى يوم وقفت عند محسوم يتبع للجيش الإسرائيلي (حاجز توقيف) وبدأ يفتش السيارة واخذ هاتفي الخلوي وبدأ يفتش بهي بطريقة مستفزة لكن قلت لنفسي يجب أن أصبر حتى لا يكشف أمري والجيش منتشر في كل مكان لكن لحظة وقوفي أتى احد الجنود يحمل كرتونه كبيرة مليئة بعلب الحليب فقال لزميله من الجيش باللغة العبرية وهو يظن أني لا أفهم العبرية ( ما رأيك أن نجعله يشرب كل هذه الكراتين ) فلم افعل شيء بقيت كـني لم أفهم شيء مما قالوه قدم لي أول علبة وقال تفضل شكرته وأخذته بعد أن انتهيت أحضر العلبة الثانية وقال تفضل قلت له شكرا اكتفيت من واحدة فأجابني أنا لا أقدمه لك لأني أحترمك أن أأمرك بأن تشربه فقلت له لكن أنا لا أريد بقي جدل طويل بيني وبينه حتى رميته من يده على الأرض فبدأ بشتمي وحاول أن يجبرني على شربه فلأني بدأت أشعر بأنه يريد الاستهزاء بي لم أتمالك نفسي لحظتها وضربته كف على وجه رفع السلاح علي يريد أن يطلق النار فوضعت يدي على فوهة السلاح فلم تكن ثواني حتى تجمع الفريق كامل وانهالوا علي بأسلحتهم وقاموا بضربي بطريقة شرسة لحظتها أيقنت أنه وقت الانتقام حان جهزت عملية وقتلت منهم 3 وأصيب واحد ثاني يوم ثم استمرت عمليات خليتنا كنا نبحث عن أي مستوطنة يوجد بها استبداد وظلم من قبل الجيش كنا نقوم بعملية فيها حتى قتلنا أكثر من 18 جندي ثم تم اعتقالي بعد أن كشف أمري أحد السجناء في التحقيق بعد أن عذبوه بأبشع الطرق ...

وأتى اليوم الذي خرجنا من السجن معززين مكرمين رغم كل التهديدات فالمقاومة بشجاعتها وقيامها بعملية لم تستغرق عدة دقائق غلبت عشرات السنين من المفاوضات وأسقطت جميع الأحكام التي قضوها علينا فشكرا لهم ومزيدا من الإبداع يا مقاومتنا ...

أما بالنسبة للحياة خارج السجن فيصفها جاسر بأنها بعض الشيء صعبة وما زلنا لم نتأقلم عليها وقال الكثير من المحررين يقومون بخدع يومية بيننا نكون في الغرفة جالسين نتحدث مع الأهل على الهاتف يأتي أحد زملائي في الأسر من خلفي ويقول لي تفتيش تفتيش فأطر أن أغلق الهاتف وارميه من يدي وبعد لحظة أتدارك الموقف بأنها مزحة ..
ويتابع واصفا الحياة خارج السجن فيقول في الليل تذكرت أن هناك شيء كنت دائما يذكروني أهلي عندما يحضروه وهو فاكهة التين فهي أكثر فاكهة أحبها فاستيقظت باكرا وقلت لأحد الشباب في الفندق ذكرني التين بيطلع صيف ولا شتاء فاجابني إذا نفسك بتين بنخلي يطلع أي وقت وأحضرولي علبة تين فأكلتها لأول مرة منذ 9 سنوات عندما أكلتها تذكرت قريتنا وشجرة التين الي بجوار البيت تذكرت سهرت العائلة وتذكرت كل تفاصيل حياتي القديمة ...

وبوصف سريع لقطاع غزة يقول جاسر غزة بصغر حجمها دائما تفاجئ الجميع بأمور كبيرة جدا طوال الطريق من الأسر حتى معبر رفح كنت أرسم بذهني شكل الإستقبال لكن في افضل المرات التي تخيلت الإستقبال بهي لم يكن يساوي شيء مما كان على ارض الواقع ظننت انه فقط اهالي الاسرى هم من سيستقبلنا وبعض القادة فقط لم أتخيل أن أهل غزة كلهم بإنتطارنا وجدت الكبير والصغير المرأة والشاب كله ينتظرنا من بوابة رفح حتى الاحتفال حتى أنه هناك الكثير ممن كان يقبل أيدينا شعرت لحظتها بفرح تخيلت نفسي أني سأكون وحيد لأن أهلي لم يحضروا بعد من رام الله لكن أهل غزة لم يسمحوا لي أن اشعر بالوحدة أو بنقص الحنان بأي لحظة ..

ويصف جاسر اصعب لحظة مرت عليه قال كان لي في الأسر رفيق كنا لا نفترق ابدا وهو الأسير هاشم سوسي وهو يقضي محكومية تقارب محكوميتي وعندما حضرت الاسماء لأول مرة كان إسمي وإسمه في قائمة المحررين كنا سعيدين للغاية وإتصلنا بأهلنا واخبرناهم وكانوا في قمة السعادة وبدأت عائلتي وعائلته بتحضير حفلة إستقبال المهنئين حتى أخر ساعة قبل خروجنا تحدثت للإخوة في غزة وتأكدت من أسماء من سيخرج من الأسر فلم يذكرو إسم هاشم وقد كانت القائمة التي حصلت عليها من مصدر غير دقيق ومن الفرحة وإلتهائنا بفرحة النصر لم يخطر في بالي أن أتأكد من الأسماء والآن أنا في موقف صعب ماذا اقول لهاشم وهو قد حزم امتعته ..هل أرسل له شاب ليخبره نيابة عني ولكن لا احد يقدر مشاعره غيري لأني صديقه وقضينا الفترة الأخيرة نخطط معا لكل شيء فقلت يجب أن أخبره قبل فوات الآوان فيجب ان أودعه ذهبت له وأنا لا أدري ماذا أقول له قلت له هشام أعذرني ولكن لا ادري ما أقول لك فإسمك لم يذكر بالقائمة الأخيرة فضحك هاشم وقال لي بكفي مزح يا جاسر بلاش تفاول علينا بدأت الدموع تنهمر من عيني وقلت له والله يا هاشم إسمك مش موجود صمت لحظتها عندما شعر أن كلامي جدي وقال لي جاسر الآن سيبنا من المزح وإحكي جد أنا راح أطلع ولا لأ فقلت له والله يا هاشم إسمك مش موجود لم استطع أن اقول له مش راح تطلع إكتفيت بقول إسمك مش موجود لحظتها لأول مرة أرى هاشم ينهار في احضاني من البكاء كأنه مقهور وبكيت معه وتعهدت بأن أفعل المستحيل لأخرجه وودعته وبقيت أمسك بيده حتى اغلق السجان باب السجن وعيوني في عيونه واردد له أوعدك ياهاشم راح تطلع بإذن الله راح تطلع ...

أنهيت محادثتي مع جاسر لأني شعرت انه عاد بذاكرته لتلك اللحظة ولم يعد قادر على الحديث ... تركته ودموعه منحبسة في عينيه كأنها بركان يريد أن يتفجر ..
لكن بكل تأكيد ستحرج يا هاشم وسيخرج جميع الأسرى عما قريب بإذن الله ...